
الكَذِب
قال الشيخ الأنصاري: الكذب حرم بضرورة العقول والأديان ويدل عليه الأدلة الأربعة: القرآن، السنّة، العقل، الإجماع:
والكذب من كبائر المحرمات التي حملت الكثير من المفاسد الدينية والإجتماعية والإنسانية قديماً وحديثاً.
الكَذِبُ مَفْسَدَةٌ لِلْحَيَاة
عندما حرّم الله علينا الكذب في الحديث كان ذلك من أجل مصلحتنا واستقرار حياتنا استقراراً سليماً لأن الكذب دمارٌ للمجتمع بكل ما للكلمة من معنى، وكم من مجتمع زال من الوجود بسبب كذبة ابتدعها فرد من أفراده، ولهذا نجد التهديد والوعيد وتكرار المواعدة والتحذير في القرآن الكريم كثيراً، تلك الكثرة تدل على عظيم القبح في هذا السلوك المنافي للأخلاق الإنسانية قبل أن يكون منافياً للأخلاق الدينية.
الكَذِبُ مِنَ المُحَرمَاتِ العَامَة
عندما تتفق البشرية على حُسْن شيء أو قُبْحِه فإن هذا الإتفاق يدل على الصحة، فلقد اتفقت البشرية على أن عمل الخير جيد، واتفقت على أن الكذب قبيح، وهذا الإتفاق بين الجميع على قبح الكذب يدل على كونه من رؤوس المحرمات، وإن لم تصرّح بعض الأديان بتحريمه بشكل مطلق، ونحن على يقين أنه لا يوجد دينٌ في العالَم يقبل بالكذب، فإذا كان الأمر كذلك عند غير الإسلام فإنه عند الإسلام أشد وأعظم لأنه من أدق الأديان في تشخيص الأمور، وقد امتاز دين الإسلام عن غيره من الأديان بوضع قواعد وقوانين لهذا السلوك جعلته محرَّماً في جميع وجوهه ومراتبه، فلا يوجد في الإسلام كذبةٌ صغيرة، ولا يوجد عنده كذبة بيضاء، فإن جميع الكذب في الإسلام كبير وأسود لأن الإسلام يحرص على تنزيه البشر من كل ما يعيبهم ومن كل ما يعود عليهم بالمفسدة.
أَنْوَاعُ الكَذِب
إن الكذب أنواع: فتارة يكذب الإنسان على نفسه، وتارة يكذب على الناس، وثالثة يكذب على الله ورسوله، والجميع قبيح من دون استثناء، غير أن هناك تفاوتاً في القبح بين واحد وآخر.
أما الكذب على النفس: فهو أن يخدع المرء نفسه ويستدرجها للقبيح، ويهوّن عليها سوء العاقبة، وهذا النوع منتشر بين أكثر الناس.
وأما الكذب على الناس: فإنه لا يحتاج إلى ما يدل عليه، فهو في غاية الوضوح لأن أكثر الناس من الرجال والنساء والكبار والصغار يمارسون هذا السلوك السيء الذي كان وما زال السبب الأكبر في هلاك الإنسان.
وأما الكذب على الله ورسوله: فهو أن تنسب كلاماً إلى الله أو إلى الرسول وهما لم يقولاه.
ويندرج الكذب الثاني والكذب الثالث تحت النوع الأول، لأن مردَّهما إلى تكذيب النفس أولاً وأخيراً.
ولنا وقفة مطوَّلة عند كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة مع ذكر النصوص الدالة على قبحها في الدنيا والآخرة.
اللسَانُ مَصْدَرُ الكَذِب
إن اللسان رغم صغر حجمه المادي هو مصدر أكثر الشرور، فهو مصدر الفتنة والنميمة والغيبة والبهتان والكذب والإفتراء والدجل، وغير ذلك من شروره الكثيرة، وقد ورد الكثير من الأحاديث التي تأمر بحفظ اللسان وتنصح بوضع الأقفال عليه.
قال رسول الله(ص) : أمسك لسانك فإنها صدقة تصدّق بها على نفسك:
وجاء رجل إلى النبي(ص) فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: إحفظ لسانك: قال يا رسول الله أوصني، قال: إحفظ لسانك: قال يا رسول الله أوصني، قال: إحفظ لسانك، ويحك، وهل يَكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم:
وقال(ص) : نجاة المؤمن في حفظ لسانه:
وعن الإمام الصادق(ع) قال: قال لقمان الحكيم لابنه: يا بنيّ إن كنت زعمت أن الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب:
عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر(ع) يقول: كان أبو ذر_رحمه الله_ يقول: يا مبتغي العِلم، إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك ووَرِقك:
وقال الإمام الصادق(ع) : كان المسيح(ع) يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فإن الذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم ولكن لا يعلمون:
وعنه(ع) قال: ما من يوم إلا وكل عضو من أعضاء الجسد يكفّر اللسان، يقول: نشدتك الله أن نعذَّب فيك:
وعنه(ع) قال: لا يزال العبد المؤمن يُكتَب محسناً ما دام ساكتاً، فإذا تكلّم كُتب محسناً أو مسيئاً:
جَوْهَرُ الكَذِب
الكذب صفة من رذائل الصفات، فهو يحكي عن جوهر خبيث لا يرعوي عن العصيان ولا يخشى الرحمن في نفسه وفي الآخَرين، ولشدة قبح هذا السلوك السيء والمنفّر والمنحط فقد كثرت المواعدة عليه في كتاب الله العزيز، ففي سورة المرسلات كُرِّرَت المواعدة على الكذب عشر مرات وذلك عبر قوله تعالى(ويلٌ للمكذبين) والويل لفظ يدل على المواعدة الشديدة، وقيل إن الويل إسم لمكان في جهنم، وأياً يكن معنى الويل فإن عاقبة الكذي وخيمة، ومع الأسف الشديد فلقد أصبح الكذب فاكهة الحديث في زماننا، فالكل يكذب على الكل، وهذا أعظم سبب من أسباب تدمير المجتمع البشري أخلاقياً.
لقد أمرنا الله عز وجل باجتناب هذا السلوك حيث قال في محكم كتابه(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)
وفي بيان قبح الكذب وردت نصوص كثيرة عن النبي وآله(ص) تبيّن لنا قبحه وعاقبته وبعضاً من آثاره على السلوك في هذه الحياة، فقد قال(ص) :كبُرَتْ خيانةً أن تحدّث أخاك حديثاً هو لك مصدّقٌ وأنت به كاذب:
وقال(ص) : أعظم الخطايا اللسان الكَذوب:
وقال(ص) : إياكم والكذب فإنه مع الفجور، وهما في النار:
وقال(ص) : إذا كذب العبد تباعد المَلَكُ عنه مِيلاً من نتن ما جاء به:
وقال(ص) : إن الكذب باب من أبواب النفاق:
وفي بيان جوهر الكذب وكونه انحرافاً واضحاً عن جادة الحق، قال الإمام علي(ع) :الكذب زوال المنطق عن الوضع الإلَهي:
وقال(ع) : أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب:
الكَذِبُ أَوْضَعُ الأَخْلاق
إن شأن الكاذب وضيع مهما كان ثرياً أو قوياً أو كان رقماً مميَّزاً في مجتمعه، لأن الكذب ينزل بصاحبه إلى أحط المراحل وأدنى المستويات، ويذهب بهيبته ومصداقيته، وتصبح نظرة الناس له نظرة إدانة واحتقار، وهذا من الآثار الدنيوية الناتجة عن ممارسة هذا السلوك البشع الذي حرّمه رب العالمين بشدة وواعد عليه النار الكبرى.
قال الإمام علي(ع) : تَحفّظوا من الكذب فإنه من أدنى الأخلاق قدراً وهو نوع من الفحش وضَرْبٌ من الدناءة:
وقال(ع) : الكذب شَيْن الأخلاق:
وقال(ع) : أقبح الخلائق الكذب:
وقال(ع) : لا شيمة أقبح من الكذب:
وقال(ع) : لا سوء أسوأ من الكذب:
الكَذِبُ يَذْهَبُ بِالإِيمَان
مَن كان من المؤمنين غيوراً على دينه وحريصاً على آخرته وجب عليه البحث عن الصفات التي تثبّت الإيمان، والصفات التي تذهب به ليحافظ على عمل الأولى ويتجنب الثانية حرصاً منه على عاقبته في يوم القيامة، ولكننا نُفاجأ في حياتنا بأشخاص يصلّون ويصومون ويقرؤون القرآن وربما يقومون وقتاً طويلاً من الليل في الدعاء والمناجاة، ولكنهم مستخفون بأمر الكذب الذي يمارسونه من دون وقوف على قبحه وسوء عاقبته وآثاره التي منها ذهاب الإيمان، وإن من أخطر الأخطار على المؤمن في هذه الحياة أن يستخف بشيء من حلال الله أو حرامه لأن ذلك من الإستخفاف بأحكام الله والأمن من مكره، والإنسان قادر بكل سهولة على ترك الكذب، فلا يوجد ما يدعوه إلى ممارسته سوى الإستخفاف به، ولا ينبغي الإستخفاف بما يعقبه، فإن ما يعقبه هو النار الكبرى.
لقد أشار الكتاب العزيز إلى هذه الحقيقة حيث قال تعالى(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)
وقد سأل أبو الدرداء رسول الله(ص) :هل يسرق المؤمن؟ فقال(ص) : قد يكون ذلك، قال: فهل يزني المؤمن؟ قال(ص) بلى وإن كره أبو الدرداء، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال(ص): إنما يفتري الكذب من لا يؤمن، إن العبد يزِلُّ الزَّلَّة ثم يرجع إلى ربه فيتوب فيتوب الله عليه:
وقال(ص) : يُطبع المؤمن على كل خَلّة غيرَ الخيانة والكذب:
وقال(ص) : إياكم والكذب فإن الكذب مجانبٌ للإيمان:
وقد سأل رجل رسول الله(ص) عن عمل الجنة؟ فقال(ص) : الصِّدق، إذا صدق العبد بَرَّ، وإذا برّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة، قال: يا رسول الله، وما عمَلُ النار؟ قال(ص) : الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر يعني دخل النار:
وقال الإمام علي(ع) : جانبوا الكذب، فإنه مُجانبٌ للإيمان، الصادق على شفا منجاة وكرامة، والكاذي على شرف مَهواة ومَهانة:
وقال الإمام الباقر(ع) : إن الكذب هو خراب الإيمان:
الإِنْسَانُ الكَذَاب
فلننظر معاً إلى النعوت التي يوصف بها الإنسان في هذه الحياة، والتي تعكس للناس صورته الجوهرية، وترشدهم إلى المرتكِز في قلبه وروحه، وبناءاً على تلك الدلالات يُحكَم على الإنسان بالسلب أو الإيجاب، وليس أمام العاقل سوى السعي لأن يُوصَف من قِبل الآخرين بأجمل الأوصاف وأحسن النعوت وأكرم الأخلاق حتى يحكم عليه الله والناس بالإيجاب دون السلب الذي يسلب الخير من الإنسان في الدنيا والآخرة.
والمؤمن على وجه الخصوص يجتهد دائماً في اكتساب صفات الخير، لأنه يهتمُّ بما يقال فيه، وليس كالمستهتر الذي لا تهمه كرامته، ولا يعبأ بما يقال فيه أو بما سوف ينتج عن سلوكه من مساوئ دنيوية ومساوئ أخروية، وذلك أن المؤمن يدرك بأنه يمثّل الدين الذي ينتمي إليه، فهو يحاول من خلال سلوكه الطيب وسيرته العطرة بين الناس أن يعكس عن دينه أجمل صورة ليكون سلوكه هذا تبليغاً لرسالة الإسلام بطريق غير مباشر، ولقد كانت صفات الخير في خير البشر محمد(ص) أكبر مساعد له على تصديق الناس لدعوته لأنه رسم بسلوكه الممدوح من قِبل الله عز وجل صورة الدين الذي يدعو الناس إليه، بمعنى أنه يقول للناس: إن الصفات التي تحليتُ بها والسلوكيات الحسنة التي أتعامل بها هي صفات وسلوكيات هذا الدين العظيم(الإسلام) الذي هو الدين الأوحد عند الله تبارك وتعالى، فلا يحل غيره محله.
فقد يكذب الإنسان مرة أو مرتين ثم يستدرك الأمر قبل فوات الأوان فيتوب من هذا الكذب، أما إذا أصر عليه فإنه حينئذٍ يُنعَت بالكذّاب، أي الذي يزاول مهنة الكذب، وبئس المهنة مهنة الكذب لأنها تشكّل للإنسان وصمة عار له في الدنيا والآخرة.
وفي هذا الشأن قال رسول الله(ص) : ما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذّاباً:
وقال(ص) : لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فتُنكت في قلبه نُكتة حتى يسودَّ قلبه فيُكتب عند الله من الكاذبين:
وقال الإمام علي(ع) : ما يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة صدقٍ فيُسمّى عند الله كذّاباً:
وقال(ع) : لا تحدِّث من غير ثقة فتكون كذّاباً:
وقال(ع) : لا خير في عِلم الكذابين:
وقال الإمام الصادق(ع) : إنّ آية الكذاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب، فإذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شيء:
وقال(ع) : إنّ الكذّاب يَهلِك بالبينات، ويهلك أتباعه بالشبهات:
الشيخ علي فقيه



